Affichage des articles dont le libellé est مقالات. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est مقالات. Afficher tous les articles

كيف نستقبل رمضان


رمضان فرصة الزمان .. هكذا ينبغي أن يعتقد المسلم، وهكذا كان يعتقد سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، فلم يكن رمضان بالنسبة لهم مجرد شهر من الشهور، بل كان له في قلوبهم مكانة خاصة ظهرت واضحة من خلال استعدادهم له واحتفائهم به ودعائهم وتضرعهم إلى الله تعالى أن يبلغهم إياه لما يعلمون من فضيلته وعظم منزلته عند الله عز وجل .
اسمع إلى معلى بن الفضل وهو يقول: كانوا " يعني الصحابة " يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم . وقال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان، اللهم سلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلاً. 
والدعاء ببلوغ رمضان، والاستعداد له سنة عن النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم فقد روى الطبراني عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان إذا دخل رجب قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان". (قال الألباني: إسناده فيه ضعف) .
وقد وصفت أمنا عائشة رضي الله عنها حال نبينا صلى الله عليه وسلم في استعداده لرمضان فقالت: كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً .
فهذا عن استعدادهم فكيف عن استعدادنا نحن ؟!! 

لقد جمعت لك أخيّ عدة نقاط أراها مهمة في استقبال رمضان، ولعل هناك ما هو أهم منها ولكن هذا حسب ما فتح الله ويسر، والله أرجو أن ينفعنا وإياك:-
 1- النية الخالصة : 
من التأهب لرمضان وحسن الاستعداد له: أن تعقد العزم على تعميره بالطاعات وزيادة الحسنات وهجر السيئات، وعلى بذل المجهود واستفراغ كل الوسع في استغلال كل لحظة فيه في رضا الله سبحانه .
وهذا العزم ضروري فإن العبد لا يدري متى توافيه منيته ولا متى يأتيه أجله ؟ فإذا انخرم عمره وسبق إليه من الله أمره، وعادت الروح إلى باريها قامت نيته مقام عمله فيجازيه الله على حسن نيته وعلى هذا العزم فينال الأجر وإن لم يعمل . عن ابن عباس رضي الله عنهما: [ إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعلمها كتبها الله له عنده حسنة كاملة ... ] الحديث متفق عليه، وقال[ إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى ]متفق عليه 
ونحن نعرف أناسًا كانوا معنا في رمضان الماضي وليسوا معنا في عامنا هذا وكم ممن أمل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله فصار قبله إلى ظلمة القبر 
كم كنت تعرف ممن صام في سلف .. من بين أهل وجيران وخلان
أفناهم الموت واستبقاك بعدهم .. حيا فما أقرب القاصي من الداني
فكم من مستقبل يومًا لا يستكمله ؟ ومؤمل غدًا لا يدركه ؟ إنكم لو أبصرتم الأجل وميسره لأبغضتم الأمل وغروره، خطب عمر بن عبد العزيز الناس فقال: [ إنكم لم تخلقوا عبثا ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادًا ينزل الله فيه للفصل بين عباده فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم جنة عرضها السموات والأرض، ألا ترون أنكم في أصلاب الهالكين وسيرثها بعدكم الباقون حتى تردَّ إلى خير الوارثين ؟ في كل يوم تشيعون غاديًا ورائحًا إلى الله قد قضى نحبه وانقضى أجله فتودعونه وتودعونه في صدع من الأرض غير موسد ولاً ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، غنيًا عما خلف، فقيرًا إلى ما أسلف، فاتقوا الله عباد الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقيته . 
فيا مغرورًا بطول الأمل، مسرورًا بسوء العمل، كن من الموت على وجل فإنك لا تدري متى يهجم الأجل . 
فالنية النية، والعزم العزم، والإخلاص الإخلاص. (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة) (التوبة/46) (فلو صدقوا الله لكان خيرًا لهم) (محمد/21) 

2 - التوبة الصادقة:-
وهي واجبة في كل وقت ومن كل ذنب، ولكنها في هذا الحين ألزم وأوجب لأنك مقبل على موسم طاعة، وصاحب المعصية لا يوفق للطاعة ولا يؤهل للقرب، فإن شؤم الذنوب يورث الحرمان ويعقب الخذلان، وإن قيد الذنوب يمنع عن المشي إلى طاعة الرحمن، وإن ثقل الذنوب يمنع الخفة للخيرات والمسارعة في الطاعات فتجد القلب في ظلمة وقسوة وبُعد عن الله وجفوة، فكيف يوفق مثل هذا للطاعة ؟ أو كيف يصلح للخدمة ؟ أو كيف يدعى للمناجاة وهو متلطخ بالأقذار والنجاسات ؟ فصاحب المعاصي المصر عليها لا يوفق إلى الطاعة فإن اتفق فبكد لا حلاوة فيه ولا لذة ولا صفوة ولا أنس ولا بهجة، وإنما بمعاناة وشدة، كل هذا بسبب شؤم الذنوب . 
وقد صدق الأول حين قال: حرمت قيام الليل سنة بذنبٍ عملته . وعندما قيل للحسن لا نستطيع قيام الليل، قال قيدتك خطاياكم . وقال الفضيل : " إذا كنت لا تستطيع قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محبوس قد قيدتك ذنوبك".

فلابد من التوبة النصوح المستلزمة لشروطها، المصحوبة برد الحقوق إلى أهلها، والمصاحبة للافتقار وإظهار الفاقة والحاجة إلى العزيز الغفار، ولابد من إظهار الرغبة بحسن الدعاء ودوام الاستغفار وكثرة الإلحاح والتضرع إلى الله بالقبول وأن يجعلك ممن تقبل توبتهم قبل رمضان وأن يكتبك في آخره في ديوان العتقاء من النار . وعلامة الصدق كثرة الإلحاح ودوام الطلب وكثرة الاستغفار، فارفع يديك إليه وناجه وتوسل إليه . 
يا من يرى ما في الضمير ويسمع .. أنت المعد لكـل ما يتوقـع
يا من يرجّى للشــدائد كلها .. يا من إليه المشتكى والمفـزع
يا من خزائن فضـله في قول كن .. امنن فإن الخير عندك أجمع
مالي سوى فقـري إليك وسيلة .. فبالافتــقار إليك فقري أدفع
مالي سوى قرعي لبابك حــيلة .. فـإذا رددت فـأي باب أقــرع 
ومن الذي أرجو وأهتف باسمه.. إن كان جودك عن فقيرك يمنع
حاشـا لفضلك أن تقنـط راجيا .. الجود أجـزل والمواهب أوســع

3 - معرفة شرف الزمان
فالوقت هو الحياة، وهو رأس مالك الذي تتاجر فيه مع الله، وتطلب به السعادة وكل جزء يفوت من هذا الوقت خاليًا من العمل الصالح يفوت على العبد من السعادة بقدره . 
قال ابن الجوزي: ينبغي للإنسان أن يعرف شرف وقيمة وقته فلا يضيع فيه لحظة في غير قربة . 
إذا كان رأس المال عمرك فاحترز .. ... .. عليه من الإنفاق في غير واجب 
ورمضان من أنفس لحظات العمر، ومما يجعل الإنسان لا يفرط في لحظة منه أن يتذكر وصف الله له بأنه "أيامًا معدودات" وهي إشارة إلى أنها قليلة وأنها سرعان ما تنتهي، وهكذا الأيام الغالية والمواسم الفاضلة سريعة الرحيل، وإنما يفوز فيه من كان مستعدًا له مستيقظا إليه .
فإذا أدرك الإنسان قصر وقت رمضان علم أن مشقة الطاعة سرعان ما تذهب وسيبقى الأجر وتوابعه من انشراح القلب وانفساح الصدر وفرحة العبد بطاعة الرب سبحانه .
وكم من مشقة في طاعة مرت على الإنسان فذهب نصبها وتعبها وبقى أجرها عند الله إن شاء الله . وكم من ساعات لهوٍ ولعبٍ وغفلةٍ ذهبت وانقضت لذتها وبقيت تبعتها.
وساعة الذكر فاعلم ثروة وغنى .. ... .. وساعة اللهو إفلاس وفاقات 

4 - التقلل من الطعام:
وهو مقصد من مقاصد الصيام ومن مقاصد رمضان التعود على تقليل الطعام، وإعطاء المعدة فرصة للراحة، وإعطاء النفس فرصة للطاعة، فكثرة الطعام هذه هي التي قسَّت القلوب حتى صيرتها كالحجارة، وأثقلت على النفوس الطاعة، وزهدت الناس في الوقوف بين يدي الله . فمن أراد الاستمتاع بالصلاة فلا يكثر من الطعام، بل يخفف؛ فإن قلة الطعام توجب رقة القلب، وقوة الفهم، وإنكسار النفس، وضعف الهوى والغضب . 
قال محمد بن واسع: من قل طعامه فهم وأفهم وصفا ورق، وإن كثرة الطعام تمنع صاحبها عن كثير مما يريد . 
قال سلمة بن سعيد: إن كان الرجل ليعير بالبطن كما يعير بالذنب يعمله .
وقد تجشأ رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقا ل: [كف عنا جشاءك، فإن أطولكم شبعًا في الدنيا أطولكم جوعًا يوم القيامة] رواه الترمذي 

5 - تعلم أحكام فقه الصيام:
وأحكامه وآدابه حتى يتم الإنسان صيامه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه فيسحتق بذلك تحصيل الأجر والثواب وتحصيل الثمرة المرجوة والدرة الغالية وهي التقوى، وكم من إنسان يصوم ولا صيام له لجهله بشرائط الصيام وآدابه وما يجب عليه فيه، وكم ممن يجب عليه الفطر لمرض مهلك أو لعذر شرعي، ولكنه يصوم فيأثم بصومه، فلابد من تعلم فقه الصيام وأحكامه، وهذا واجب وفرض من عين على من وجب عليه الصيام . 

6 - تعويد النفس على
(أ) الصيام: وقد كان النبي يصوم شعبان كله كان يصوم شعبان إلا قليلاً . وكان هذا ضروريًا لتعويد النفس على الصيام حتى إذا جاء رمضان كانت مستعدة بلا كلفة ولا تعب يمنعه عن العمل ويحرمه من كثرة التعبد 
(ب) القيام: وهي سنة عظيمة أضعناها، ولذة عجيبة ما تذوقناها، وجنة للمؤمنين في هذه الحياة ولكنا يا للأسف ما دخلناها ولا رأيناها . مدرسة تربى فيها النفوس، وتزكى فيها القلوب، وتهذب فيها الأخلاق . عمل شاق، وجهاد عظيم لا يستطيعه إلا الأبطال من الرجال، والقانتات من النساء، الصابرين والصادقين ... بالأسحار . هو وصية النبي لنا وعمل الصالحين قبلنا: [عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد] رواه الترمذي . 
إن تعويد النفس على قيام الليل ضروري قبل رمضان وبعد رمضان وهو إن كان لازمًا لكل الناس فهو للدعاة والأئمة ألزم، ففيه من الأسرار ما تنفتح له مغاليق القلوب وتنكسر أمامه أقفالها، فتنزل الرحمات والبركات ويفتح على الإنسان من أبواب الفهم والفتوح ما لا يعلمه إلا الله، ومن تخرج من مدرسة الليل يؤثر في الأجيال بعده إلى ما شاء الله، والمتخلف عن مدرسة الليل تفسو قلوب الناظرين إليه . 
فعليك أيها الحبيب بمجاهدة النفس على القيام ولتكن البداية بركعتين ثم زد رويدًا رويدًا حتى ينفتح قلبك وتأتي فيوضات الرحمن . 
(ج) كثرة التلاوة: شهر رمضان شهر القرءان، فللقرآن في رمضان مزية خاصة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتدارس القرآن مع سيدنا جبريل في رمضان كما في حديث ابن عباس وذلك كل ليلة، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل في قيامه جدًا كما في حديث حذيفة .
وهكذا كان السلف والأئمة يولون القرآن في رمضان اهتمامًا خاصًا .

7ـ المسابقة والجدية
وهي أصل في العبادة كما في كتاب الله وسنة رسوله، قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران:133) وقال سبحانه: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد:21) وفي الحديث:سبق المفردون سبق المفردون قالوا: وما المفردون يا رسول الله! قال "الذاكرون الله كثيرًا، والذاكرات". 
وقد كان كل واحد من الأولين يعتبر نفسه المخاطب بهذا الأمر دون غيره فكانوا يتسابقون في الطاعة يدلك على هذا ما أثر عنهم من قولهم: "لو أن رجلا بالمشرق سمع أن رجلا بالمغرب أحب إلى الله منه فانصدع قلبه فمات كمدا لم يكن عجبا" .
وقالت جارية لعمرو بن دينار: رأيت في المنام كأن مناديا ينادي: الرحيل .. الرحيل، فما رحل إلا محمد بن واسع !! فبكى عمرو حتى وقع مغشيا عليه.
واعلم أيها الأخ الحبيب أن الأمر جد لا هزل فيه (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) (الذريات:23) وقيل إن عطاء دخل على الخليفة الوليد بن عبد الملك وعنده عمر بن عبد العزيز .. فقال عطاء للوليد: " بلغنا أن في جهنم واديا يقال له هبهب أعده الله للولاة الظلمة " فخر الوليد مغشيا عليه .. فقال عمر لعطاء: قتلت أمير المؤمنين !! قال: فأمسك عطاء بيدي وقال: يا عمر إن الأمر جد فجد .. قال عمر: فوجدت ألمها في يدي سنة .

فاجهد أيها الحبيب أن تكون من أهل الصيام الحق والقيام الصدق لتنال الجائزة بغفران ما تقدم من ذنبك وما تأخر .. أسأل الله الكريم أن يبلغنا بمنه رمضان أعواما عديدة وأزمنة مديدة، وأن يجعلنا في رمضان هذا من عتقائه من النار .. آمين.


رجال ولا كأي رجال

   لولا أني رأيتُهم لقلت إنه مجرد وهمٍ أو هُراء أو خيال.. ظلال نورية لجيل الصحابة الكرام، جمعوا بين خصلتين عظيمتين من خصالهم الكبيرة: الهجرة والنصرة. فلم يكن منهم مهاجرون وأنصار، بل كانوا مهاجرين أنصارًا. وللصحابة فضلهم الذي لا يبارى!

     والهجرة إلى الله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام كلمات تتلفظ بها الأفواه ولكن قلّما تعيها القلوب. فأن يترك الفتى حياة الراحة والدعة وبريق المدينة الجذاب، ثم يضرب في الأرض ليغوص في غربة بعيدة، يحمل في يده قنديلا من نور؛ بحثًا عن المستضعفين في بقاع الأرض، من أجل إطعامهم جرعة من رحيق الحياة، فيتحمّل في سبيل ذلك فناءَ نفسه وذوبان ذاته ونسيان دنياه. فتلك تجربة روحية لا يعرفها حقًّا إلا من عاناها، وإنها لعقبة دونها عقبات، تنتصب في مدارج المجاهدات. 

    من بلاد الأناضول تشرق شمسهم، ثم تتدفق أشعتها نحو كل العالم خيوطا بلورية وهّاجة، تصل الأرحام القديمة وتذكي الحنين الجريح.. مهاجرون تركوا خلفهم كل شيء وانطلقوا كالخيول العارية، يفتحون الأبواب والنوافذ للمحاصَرين في كل بقاع الأرض، ويعلّمونهم كيف يستنشقون من جديد هواء الفضاء الفسيح، بعدما فقدوا إحساسهم بالحياة منذ قرون.

     مهاجرون، هجروا هذا الذي تذل له القلوب الميتة: متاع الحياة الدنيا وزينتها، رغم تدفقه عليهم من كل الجهات، وانطلقوا سائرين إلى الله، يوزّعون كلمات النور ويبشرون العالم بالأمن والسلام ويبعثون في قلوب الفقراء الأمل العظيم. كانت جحافلهم تتفرق بين الصحارى والجبال والأدغال والمحيطات... وقد تَكْبُو فرَسٌ هنا أو هناك، ولكن الطليعة أبدا تصِل إلى غايتها، وترفع راية النور فوق أعالي القمم الشامخة، فيشمخ الدين بهم ويعتزّ.
     ظلال من جيل الصحابة أو نُسخ أخرى لستُ أدري.. ولقد رأيتهم وما كذبت عيني. فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلا.. فلله درّهم.. أي رجال هم!؟ 

     أنصار.. فلقد نَصروا الخير فكانوا أنصار العصر الجديد.. كلما رأوْا شمعةَ نور تضطرب في عاصفة الريح في أي بقعة من العالم، أسرعوا إليها غير مبالين بالصعاب واحتضنوها بمشكاة من زجاج بلوريّ، فتصير كأنها كوكب درّي، ينبُض بالجمال والبهاء..

     جاعوا ليأكل غيرهم.. وعَرُوا ليلبس فقراؤهم، وعَدِمُوا ليملك مستضعفوهم، وبكوا ليضحك إخوانهم... فكانوا حقّا يوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
أنصار.. اقتبسوا نصرتَهم استمدادا من نور المدينة المنورة، بُعَيد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام إليها مباشرة، ولمّا يزل فرحُ أهلِ يَثرب جديدا يتفجّر طربا.. من هناك أخذوا حقيقة نصرتهم، نديّة طريّة كغُصنٍ رطيب، يَنثر النّدى والثمارَ اللذيذة.

      هاجروا ونصروا، فأَعطوا من ذاتهم لسِفار الهجرة، وأعطوا من ذاتهم لدافة النصرة، فما بقي لهم في هذه الأرض من شيء! ولكنهم في عالم الروح يملكون كل شيء، استنادا إلى لله الغنيّ الحميد.

     مجانين.. يعشقون الخدمة اغترابا، من قَرِّ "سبريا" إلى حَرِّ جنوب إفريقيا.. ولا تركوا جزيرة أو مغارة أو سهلا أو جبلا من كل قارّات العالم إلا دخلوه، ووزّعوا فيه شُعاعات الصبح القريب.. يبتسمون للَسع الآلام، ويسعدون بعبور حقول الشوك الجارح فتسيل الدماء من أقدامهم، وتسيل الدموع من عيونهم، والقلب مسرور بالله!..

     رجال.. رجال لو تحدث عنهم كتاب قديم، لقلنا إنها مبالغة من مبالغات كتب القصص والطبقات والمناقب.. لكنهم يعيشون "الآن" في الحاضر والمستقبل، فهاهم أولاء أمامك نماذج حيّة من الشوق الملتهِب والفاعلية العظيمة.. فأكرِمْ بهم وأنعِمْ من شباب وكهول.. أحيَوْا فينا أمل الحياة، ومدّونا بيقين الشروق الجديد.. فكانوا مصداقا لكلمات النبوة، في أنّ الله سينصر هذا الدين نصرا عالَميًّا، حتى لا يبقى بيتُ وَبَرٍ ولا مدَر إلا دخله بعز عزيز أو ذل ذليل..

     ولقد رأيتُ أنوار الأسماء الحسنى تنعكس على عيونهم، وتتدفق من بين أيديهم.. فيتبعون هُداها منجذبين بقوتها إلى تحقيق قدر الله العظيم، في إحياء الأرض بعد موتها بالغنى والكرم والجود. ترى الواحد منهم أمّة في رجل أو رجلا في أمة.. قد تنبهر إذ تقع عيناك على أي طيف منهم فتقول: "وَيْ كأن ليس له مثيل"، فإذا رأيتَ الآخر أنساك جمالُه بهاءَ الأول. جمعوا أخلاق الخير والفضيلة كلها. نظرة واحدة فيهم تغنيك عن قراءة كتب الفلسفة والأخلاق، وخيالات المدينة الفاضلة. فهؤلاء لا يتكلمون عن الأخلاق، بل هم الأخلاق نفسها تمشي على الأرض، في زمن صار الخلق الكريم فيه قطعة مهملة في متحف التاريخ. 

     هل تريد أن تكون منهم؟.. فكّرْ، فكّر! قبل أن تقول "نعم".. فإنما هي كلمة تقولها، وإنها لدعوى عريضة، دونها اقتحام العقبة.. وما أدراك ما العقبة؟! أن تبيع نفسك لله كاملة، فلا يبقى منك لك شيء، أيّ شيء.. تستسلم لمراد الله حيث ما سارت بك مقاديره، حتى تُدفَن بذرتك في أيّ نقطة من العالم، بعيدًا بعيدًا عن وطن الأُنس والأهل والأحباب.. زادك الوحيد، وغذاؤك الفريد "ذكر الله" و"الاستمداد من نوره العظيم".

     أن تكون منهم معناه أن ينساك الناس كلهم، ويذكرك الله وحده، وأن تخرج من الدنيا وأنت ما تزال حيًّا تعيش فيها، تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، فلا ترى في نفسك ولا لنفسك شيئًا.. وترى أقرانك من معارفك القريبين، ممن تضخّمت عندهم ذواتهم، ولم يستطيعوا أن يتخلصوا من أغلال التراب، ولا أن يُفْلِتوا من شباك الأسباب، يرتقون في درجات الوهم الدنيوي، فيُطلّون عليك من أبراجهم العالية، بما يملكون من مناصب وألقاب! وأنت تمشي على التراب حافي القدمين، فقيرا من كل شيء، إلا من مدد الله العظيم.. ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾(الفرقان:20).

     أتريد أن تكون منهم؟.. "نعم"، تلك كلمة سهلة النطق، لكنها تجربة مريرة.. ومَن قال: إن النار ليست لها خاصية الإحراق"، فليَمُدَّ إليها يدَه.. فهل أنت مستعد لأن تحترق حتى يصير جسمك رمادا؟ فتذروه الرياح في كل قارات العالم، ذرّاتٍ متناثرة هنا وهناك، ما سقطت منها واحدة على تربة قاحلة إلا جعلَتها تخضرّ، وتُنْبِتُ من كل زوج بهيج..

     هؤلاء هم عماليق العصر، ونماذج الإنسان الحق الذي ينتظره العالم منذ زمان بعيد.. فهل آن الأوان لتستعيد الأرضُ أمانها الذي أودعه فيها سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام؟!.

     حاصَروا ظُلْمَ البنادق المتارس بالمعاهد والمدارس، وأطفؤوا نيران الفتن والحروب بالكلمات والحروف.. فكل مدرسةٍ يَبنونها هنا أو هناك تَغدوا شجرةً خضراء، ما تزال تفرّخ حولها فسائل منها تَنمو ثم تنمو، حتى تصير البلاد أشجارا وأشجارا، فإذا بغابة الخير تَخنُق صوتَ الرصاص البغيض، وتقضي على رائحة البارود النتة..

     معلّمون.. انتشروا في كل مكان، يعلّمون أطفال العالم منطق الطير وتراتيل العصافير، ويرسمون على السبّورات الخضراء أمامهم أحلامَ الغد الجميل ومعالم الطريق إلى الجنة. فللطفولة المتخرِّجة من بين أحضانهم -عَبر كل قارّات الأرض- نشيدٌ واحدٌ، يبشر الأمة بالخير والسلام.. 
ملائكةُ الذكر تحبُّهم، فلطالما استمعت إلى أهازيجهم الشجيّة.. وملائكة العلم تعرفهم، فلطالما حملت بأجنحتها طلائعهم، وهي تضرب في الأرض نحو غابات أسطرالْيا أو صحارى آسيا أو أدغال إفريقيا أو نحو ضباب الغرب البعيد.. ليطلقوا شعاع النور من فوق ناطحات السحاب.. معلّمون عُزَّل، إلا من سلاح التربية والتعليم! يغامرون باقتحام المخاطر في كل مكان، فيرحلون بصدورٍ عارية، ووجوه تبتسم أمام فُوّهات الموت! ولربّما خرقت بعضَها رصاصةُ غدرٍ، أو نائبةُ دهرٍ، فلا يرجعون القهقرى أبدا!..

     بين أيديهم بصيرةٌ بعيدةُ المرمَى لا تخطئ غايتها، ومن خلفهم إرشادٌ مكين، يزودهم بما تلقى عن الله من واردات الهدى.. فيبثهم من أشجان قلبه الملتهبة "الموازين" و"طرق الإرشاد" و"النور الخالد" و"المنشور" و"ملامح الجيل المرتقب"... إلخ، واردات من النور تتدفق عليهم عبر جداول لا يكاد ينقطع مددها بإذن الله..

      سادتي!.. أنتم المجاهدون حقّا، فعليكم من الله السلام.

الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله
.

أعظم العبادات

هل أدلك على عبادة من أعظم العبادات.. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلها على جميع أحواله.. بل أمر الله تعالى المؤمنين بفعلها بعد الصلاة.. وبعد الصيام.. وبعد الحج.. بل وأثناء القتال.. وقبل الطعام وبعده.. وقبل النوم وبعد.. وهي مع ذلك لا تحتاج إلى استقبال القبلة.. ولا ستر العورة.. ولا فعلها في جماعة.. ولا السفر لأجلها.. ولا إنفاق ريال واحد لأجلها.. هذه العبادة.. يستطيع فعلها الكبير والصغير.. والغني والفقير.. والرجل والمرأة.. والعالم والجاهل.. والمشغول والفارغ..
 هل عرفت هذه العبادة؟
 هي التي مدح الله تعالى الصالحين والصالحات بأنهم يفعلونها دائماً فقال: (والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراَ عظيماً).. وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟!" قالوا: بلى، قال: "ذكر الله تعالى". قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله.. وكان أبو هريرة رضي الله عنه يسبح في اليوم والليلة أكثر من أثنى عشر ألف تسبيحة!! ويقول: هذا التسبيح أفتك به من النار.. ومن أفضل الأذكار قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة.. قال صلى الله عليه وسلم: "من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة لم يحل بينه وبين دخول الجنة إلا الموت".. وقال عليه الصلاة والسلام: "ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء".. فكن ذاكراً لله على جميع أحوالك.. نعم.. قد تقصر في قيام الليل.. أو صيام النافلة.. أو الصدقة.. فانتبه أن تتكاسل نفسك عن الذكر.. وهو لا يكلفك شيئاً.. وقد قال ربك عز وجل: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون).
لفضيلة الشيخ :  محمد العريفي

القرآن الكريم روح الكون ومعراج التعرف إلى الله

   إن هذا الكتاب المرسوم بالقرآن كتابٌ غير عادي تماماً. إنه كلام من طبيعة أخرى، وخطابٌ من عالم آخر. ولكن العادة تضعف الحس البشري؛فليس لنا معشر البشر إلا الوقوف على ضفافه الفسيحة، وتَلَقِّي أمواجه بصدورنا، نتذوق من خلالها مواجيد الإيمان، ونشاهد سُبُحات الجلال والجمال.
    إن هذا القرآن الكريم ينبئ عن نفسه ويعرف بطبيعته وماهيته. إنه يتكلم إلى الإنسان من خلال بعده الكوني، ومصدره الرباني. ومن هنا فإنه أعمق من أن يحيط به الإدراك المادي المجرد: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾(الشورى:51) ولذلك فإن أسرار آياته ترتبط جميعا بحقائق الكون. فهو فهرست الوجود، والكشاف الجامع لكل موجود، إذ هو ينتمي إلى عالم "الأمر" ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾(الشورى:52). إنه يمثل في حقيقته وفي وجدان المتبصر لبصائره روحَ الحقائق كلها، فلا حياة لها إلا به.
   إن عظمة القرآن تتمثل أساسا في أنه "كلام الله رب العالمين". إن ما يبهر الإنسان من ذلك ويفيض مشاعره أن القضية هي من العظمة والرهبة بحيث يستحيل على القلب البشري تحمل مواجيدها، بدءاً بالتفكر في هذا الكون الشاسع الممتد من فضاءات لا يحدها بصر ولا تصور ولا خيال، وما يسبح فيه من نجوم وكواكب ومجرات وسدم غائرة بعيدة بملايين السنوات الضوئية، وما يحيطها من سماوات بعضها فوق بعض، وما يعمرها من خلائق نورانية مما لا يُدرك له شكل ولا صورة، إلى ما بين هذا وذاك من طبقات الزمان المختلفة عدّاً وتقديراً، من الأيام والسنوات، قد يختزل اليومُ الواحد منها ﴿أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾(السجدة:5)، إلى ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾(المعارج:4). وربُّ هذه العوالم جميعاً، الخالق لها، والمحيط بأزمنتها وأمكنتها كلها، المدبر شؤون حياتها ومماتها وأرزاقها، بقيوميته الممتدة من الأزل إلى الأبد، المالك زمام أحوالها بأنوار أسمائه الحسنى وصفاته العلى سبحانه وتعالى، هذا الرب الرحمن الرحيم والملك العظيم المتنـزه في مطلق علوه وسموه وجلاله وكبريائه؛ يقدر برحمانيته ورحمته أن يكرم الإنسان هذا المخلوق الضعيف القابع في الأرض، هذا الكوكب الضئيل السابح في بحر عظيم زاخر بأمواج السدم والمجرات، فيكون من أعظم مقامات هذا التكريم أن يخاطبه بهذا الكلام الإلهي العظيم: القرآن الكريم!
    فكيف للنسبي الفاني إذن أن تتحمل مواجيدُه كلام المطلق الباقي؟! كيف للقلب المحكوم بالزمان والمكان أن تستوعب خفقاتُه المعدودة وأنفاسُه المحدودة وقْعَ الكلام الخارق للزمان والمكان؟!
    وإن الله إذا تكلم سبحانه تكلم من علُ، أي من فوق؛ لأنه العلي العظيم سبحانه وتعالى، فهو فوق كل شيء، محيط بكل شيء علما وقدرة، إنه رب الكون: ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾(فصلت:54). ومن هنا جاء القرآن محيطاً بالكون كله، متحدثاً عن كثير من عجائبه، قال تعالى في سياق الكلام عن عظمة القرآن: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(الواقعة:75-80).
    وهذا المقال يرمي إلى إبراز قضيتين:
    الأولى: كون القرآن خطاباً كونياً بما هو روح من أمر الله.
    والثانية: بيان أنه بذلك معراج للتعرف إلى الله جل علاه.
    الأولى: كونية القرآن الكريم
    إن معنى "كونية القرآن" لازم من لوازم كونه "كلام الله رب العالمين". فالربوبية قاضية بكل معاني الشمول والامتلاك والسلطنة؛ ذلك أن "القرآن" من حيث هو كلام رب العالمين، متضمن لمعنى الربوبية الجامعة لكل عناصر الكون امتلاكا وقهراً. كما أن الكائنات من خلاله تدور جميعها حول هذا المعنى، سالكة إلى الله خالقها، منجذبة إلى نوره تعالى. ولذلك كان القرآن -وهو خطاب الله إلى الإنسان- خطاباً كونياً أيضاً. ويمكن بيان "كونية القرآن" من خلال الخصائص الثلاث الآتية:
    أ-القرآن قراءة لكتاب الكون، وكشف لأسراره: ومعنى ذلك أنه كتاب كاشف للغز الحياة بصورة بسيطة. فهو يقدم الصعب المعقد تقديماً سهلاً ميسراً، فسهل على العامة والخاصة قراءة مقاصده من خلال أبعاده الكونية؛ إذ يلفت انتباه الإنسان إلى مظاهر الكون وحقائقه ليتفكر في خلق السموات والأرض، كل على حسب طاقته وسعة إدراكه. فيكون القرآن الكريم بكونيته هذه خطاباً لجميع الناس بجميع مستوياتهم الثقافية واختلافاتهم اللغوية والعرقية. وهو ضرب من ضروب الإعجاز. ومن هنا كان القرآن بحقٍ مفسرَ كتاب العالم.
    ب-القرآن روح الكون: ومعنى ذلك أنه ما دام المتكلم به هو اللهَ رب العالمين -بالاعتبار الذي ذكرنا- أي "خالق كل شيء" سبحانه، فإنه لا شيء إلا وهو راجع في حقيقة وجوده إلى حقائق القرآن الكونية. وما علمنا ذلك كله إلا من خلال القرآن الكريم الذي هو كلام رب العالمين الخالق لكل شيء. فالقرآن يمثل -من حيث حقائقه- حقائق الكون كله، بدءا بقصة الخلق إلى غاية الإعادة من يوم القيامة ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾(الأنبياء:104)، ثم البعث والنشور، فالمصير. فلو تُصُوِّر عدم حقائق القرآن -وهو فرض محال- لاستحال تصور وجود العالم الكوني كله.
    ثم إن حقائق القرآن التي هي التفسير السليم لنظام الكون، هي وحدها القادرة على الحفاظ على ذلك النظام الكوني في العقل. ولو افترضنا تفسيراً غيرها، لعمت الفوضى تصورات العقول، ولاختل التوازن في الفكر، بتصورات لا يمكن إلا أن تؤدي في النهاية إلى افتراضات تقضي في المنطق العقلي إلى اختلال الكون كله في التصور. وبهذا المعنى كان القرآن هو روح الكون.
    جـ-القرآن محيط بمفهوم الزمان الكوني: إذا كان القرآن كلام الله رب العالمين، فإنه صفة له سبحانه؛ لأن الكلام صفة للمتكلم. وقد عُلم أن الله سبحانه وتعالى محيط بالزمان والمكان. فهو فوق كل شيء ومحيط بكل شيء، لأنه تعالى خالق كل شيء. من هنا إذن كان القرآن محيطاً بالزمان الكوني: الماضي والحاضر والمستقبل جميعاً، ثم بالزمان الأرضي، وهو الزمان بالتقدير البشري الدنيوي مما نعد به التاريخ والأعمار، وكذلك بالزمان المعراجي بنوعيه: الأمري والملائكي. فالزمان الأمري هو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾(السجدة:5)، والزمان الملائكي هو المشار إليه في قوله سبحانه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾(المعارج:4). وكذلك الزمان العندي وهو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾(الحج:47).
    ثم الزمان الأخروي وهو الزمان الخالد السرمدي الذي لا ينتهي أبداً مما يكون بعد إعادة الخلق، حيث قيام يوم الدين، من بعث وحشر وحساب وجنة ونار. فحديث القرآن عن ذلك كله حديث جامع مانع. ومن هنا كان محيطاً بكل الزمان، مما ينتسب إلى عالم الغيب أو إلى عالم الشهادة.
    ذلك هو القرآن... كلام من أحاط بمواقع النجوم خلقا وأمرا وعلما وقدرة وإبداعاً. فجاء كتابه بثقل ذلك كله، أنزله على سيدنا محمد ، من بعدما هيأه لذلك وصنعه على عينه سبحانه جل وعلا، فقال له: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾(المزمل:5).
    ومن هنا لما كذب المنكرون بالقرآن للقرآن، نعى الله عليهم ضآلة تفكيرهم وضحالته وقصور إدراكهم وضعف بصرهم عن أن يستوعبوا بعده الكوني الضارب في بحار الغيب، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾(الفرقان:5-6) وإنه لرد عميق جداً. ومن هنا جاء متحدثاً عن كثير من السر في السماوات والأرض؛ قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾(الكهف:54)، وقال جل وعلا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾(فصلت:53-54).
    الثانية: القرآن معراج التعرف إلى الله
    إن أول مقاصد القرآن الكريم إنما هو تعريف الناس بالله، المتكلم بالقرآن. ولذلك جاء تعريف الله لذاته سبحانه بأسمائه الحسنى مباشرة بعد التنبيه على عظمة هذا القرآن -كما جاء في سورة الحشر- كأنه قال: اعرف القرآن أولاً تعرف الله. أَوَليس هو تعالى المتكلمَ بالقرآن؟ قال جل وعلا: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(الحشر:21)، فقال بعدها مباشرة: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾(الحشر:22-23).
    إن الذي ينصت إلى خطاب الفطرة في نفسه يسمع نداء عميقا يترجم الرغبة في معرفة من أسدى إليه نعمة الوجود، ذلك الإنسان مفطور على شكر من وصله بمعروف. ومن هنا نخلص إلى نتيجة وهي "حق الخالقية" هو مفتاح التعرف إلى الله.
    وهذه حقيقة قرآنية كبرى تترتب عليها أمور كبيرة في حياة الإنسان. ذلك أنه كلما نادى الله الناس في القرآن بالاستجابة لأمره التعبدي ناداهم من حيث هو خالقهم، هكذا، بهذه الصفة دائماً، وهو أمر مهم فيما نحن فيه من طريق المعرفة بالله، أي إنه تعالى يسألهم أداء "حق الخالقية"، هذه الصفة العظيمة لذاته تعالى، التي بها كنا نحن الناس هنا في الأرض نتنفس الحياة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(البقرة:21-22)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾(النساء:1).
    هاتان آيتان كليتان من القرآن العظيم، تعلق الأمر فيهما بالعبادة والتقوى، وما في معناهما من الانتظام في سلك العابدين، وفلك السائرين إلى الله رب العالمين، إثباتاً لحق الله من حيث هو خالق للبشر. ولا يفتأ القرآن يذكّر بهذه الحقيقة باعتبارها مبدءاً كليا من مبادئ الدين والتدين، وأنها العلة الأولى منه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:51) إنها آية كونية عظمى.. إنها مفتاح من مفاتيح فهم القرآن العظيم، وباب من أبواب معرفة الربوبية العليا.. قال تعالى في سياق الحِجاج: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾(نوح:13-14). إنه تعالى ربط حقه سبحانه على عباده بمبدإ خلقهم أطوارا.. فكلما ازداد المنكرون تعنتا ازداد القرآن إفحاما في بيان تفاصيل الخلق. فتلك حجة الله البالغة إجمالا وتفصيلاً.
    وكما كانت تلك هي حجة القرآن في الدعوة إلى العبادة، وإثبات "حق الخالقية" لله الواحد القهار؛ كانت هي عينُها حجته في الدعوة إلى التوحيد ونفي الحق الوهمي للشركاء، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾(الروم:40). وبهذا المنطق أيضا رد الله على المشركين، كما في قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾(الأعراف:191). وقوله سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾(النحل:17). فما كان هذا البيان والتفصيل لقضية الخلق ليكون؛ لولا أنها قضية كونية كبرى، ينبني عليها ما ينبني من مصير وجودي في حياة الإنسان، هذا المخاطب بها ابتداء.
    إن "قضية الخلق" تمثل مفتاح فهم الربوبية، إنها المبدأ الكلي الذي على أساسه خاطب الله الإنسان بكل أمر ونهي، بل إنها تمثل البنية الأساس لخطابه، الذي عليه يتفرع كل شيء، مما قرره في العقيدة والشريعة على السواء. نعم، "حق الخالقية" إذن هو مفتاح التعرف إلى الله جل وعلا.
إن إحساس الإنسان بوجوب هذا الحق عليه يخرجه من التيه الوجودي، أو بعبارة قرآنية يخرجه ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾(البقرة:257). وأيّ ظلام أشد من التصور العبثي للحياة! فبأي نفسية يعيش الإنسان هذه الحياة وهو يرى أنما غايتها إلى العدم المطلق والفناء الرهيب، الذي ما بعده حياة؟!
    إن السالك حينما يذوق من معرفة الله لمعات وأنوارا يتعلق قلبه بحب الله تعالى، لأنه هو الذي أوجده وخلقه، وإنما يجد الجمال الحق في تلك المعرفة.. وإنما نرى جمال الله سبحانه وتعالى في شعورنا القوي بجمال خالقيته تعالى وكمال قيوميته وحسن إجابته وكرم رعايته، وقرب رحمته وأنسه.
    فلم يكن عبثاً إذن أن يتوارد ذكر الأسماء الحسنى والصفات الإلهية العلا عبر كل فصول القرآن. فهي كالنجوم الدرية تتلألأ بالنور الرباني العظيم في تلك المسافات جميعاً، ما بين السوابق واللواحق والقرائن، بما يجلي للعبد الذاكر جمال الله وجمال المعرفة به، فيعبّد له طريقها سالكة جلية. ولكن كل ذلك إنما يكون على قدر شهود القلب وصفاء البصيرة وصدق الإقبال على الله عند الدخول في مشاهد الذكر والتلاوة للكتاب.
    إن العبد الذي أيقن بمعرفة الله يفيض قلبه بالمحبة، محبة كل شيء، إذ يجد أخوة إيمانية في وجدانه مع كل شيء من الكائنات، عدا من تولّى. فالكل مستغرق في عبادة الله سائر إليه عبر مسالك المحبة ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾(الإسراء:44). ولقد جعل الله لنبيه داود معجزةَ كشفٍ لبعض ذلك، فكانت الجبال والطير تسبح بتسبيحه وتدعو بدعائه، في مجالس تفيض بالنور والجمال، تلتقي على موعد بالغدو والآصال، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾(ص:18-19). إن الكون كله في وجدان المسلم مثل طيور داود عليه السلام، مجالس أنس وذكر تشعره بالأخوة الكبرى في السير إلى الله عبر أفلاك العبودية: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾(الأنبياء:21)، فالمعرفة طريق لا تنفد تجلياتها، ولا تنتهي إشراقاتها إلا بلقاء الله، حيث ينكشف سر السير إلى الله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾(الحجر:99)، ويرى العبد هناك بعين اليقين حقيقة الوجود الدنيوي من خلال وجوده الأخروي: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾(ق:22).
    إن المعرفة بالله تملأ القلب أنسا بالله، ثم أنسا بالحياة، وأنسا بالكون والكائنات، وأنسا حتى بالموت الذي لن يرى فيه العبد المحب -إذ يقف عليه- إلا موعدا جميلا، للقاء جميل، مع رب جميل. فذلك ذوق الإحسان في قمة المشاهدات الإيمانية. وإنما "الإحسان أن تعبد اللهَ كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (متفق عليه).
    وعليه فإن هذا الإنسان بما هو مخاطب بهذا القرآن أساسا بأبعاده "الأمرية" المذكورة هو إنسان "كوني" بامتياز. فهو لا يسكن الأرض إلا بقدر ما يسكن الكون كلَّه حقيقة. وبما أن البشر شتى خلقا وتقديرا وسعيا وتدبيرا، فقد كان هذا القرآن على نفس تلك السعة والشمول من الإمكانات المتصورة للنشاط الإنساني في الأرض على الإطلاق. ولذلك جاء جامعا لكل معارج الكتب السماوية السابقة بدون استثناء؛ ففيه معارج إبراهيم ومعارج موسى ومعارج داود ومعارج عيسى ثم فيه معارج أخرى فُضْل تفرد بها القرآن الكريم لم تفتح قبله قط في التاريخ. وكل ذلك جميعه كان معارج لنبي هذه الأمة الرسول الجامع المانع سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم.
    إن هذا القرآن بعمقه الكوني هذا، المطلق عن الزمان والمكان يحقق أخوة إنسانية كبرى، لا يمكن أن تتحقق على هذا الوزان بسواه؛ لأنه شبكة اتصال وجودية ذات أنسجة أفقية وعمودية، فيها مداخلُ لا حصر لها للإمكانات البشرية. ولذلك فهو يتيح لكل إنسان مهما كانت ميوله وإمكاناته الطبيعية والفطرية والاجتماعية والثقافية أن يتصل بحقائق الوجود الحق: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم * صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾(الشورى:52-53). وبما أن شبكته موئلها -في نهاية المطاف- واحد، فهي تصل في الختم إلى الحق الواحد ﴿أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾(الشورى:53)، وهنالك يجد المؤمن لذة التعرف إلى الله جل وعلا.
    بناء على ما تقرر من أن غاية الخلق الإلهي للإنسان إنما هي التعرف إلى الله جل علاه، فقد جعل له صلى الله عليه وسلم وسيلة من أعظم الوسائل التعبدية، ألا وهي التعارف. فالإنسان بما هو مفطور خلقة على سنة الاجتماع البشري -إذ خلق من ذكر وأنثى وجعل شعوبا وقبائل- فقد خلقت أرواح الناس لتلك الغاية على ائتلاف واختلاف بقصد إنتاج التكامل المعرفي في طريق السير إلى الله تعالى. وهذا من أعجب السنن الإلهية في الخلق البشري وألطفها، وهو مفهوم من آية قرآنية وحديث نبوي شريف. فأما الآية فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(الحجرات:13). وأما الحديث فهو قوله عليه الصلاة والسلام: "الأرواح جنود مُجنَّدة، فما تعارف منها ائْتلف، وما تناكر منها اختلف" (متفق عليه).
    إن التعارف العمراني ضروري للإنسان، ليس فقط لأنه لا يمكن أن يعيش بصورة انفرادية اعتزالية، فهذا أمر بديهي، ولكن ليكون ذلك مقدمة لإنتاج حوار في المجال الروحي، والتداول المعرفي بحقيقة المعرفة بالله في طريق السير إلى الله.
    إن العلاقات الأفقية على المستوى البشري العمراني في شبكة الاتصال المعرفية إذا أتيحت لها ظروف الحوار الهادئ الصادق، والتعارف البناء الواثق، تفضي في النهاية إلى علاقات عمودية متوازنة ترتفع بالإنسان إلى السماء في طريق معرفة الله، بل في طريق التكامل في تلك المعرفة.
    إن هذا القرآن محفوظ بحفظ الله محروس بقدرته جل علاه، كما نص عليه القرآن بآيه المحكم وكما رسخته حقائق التاريخ الطويل. ومن هنا فإن كل من تعلق بمحفوظ فهو محفوظ بالضرورة.
الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله.



جمالية الدين في جمالية التوحيد

أول واجب في الإسلام هو قول: «لا إله إلا الله»، وهي كلمةٌ عظمى في غاية اللطف والبهاء. نعم! كل المسلمين يقولونها، ولكن القليل منهم هم الذين يعرفونها حقاً؛ ذلك أن انصرافهم إلى التصورات الكلامية، في مجال العقيدة، قد صرفهم عن فضاءاتها الجميلة وأبعادها الجليلة.
وقد كان المسلمون عندما يتلقون العقيدة بعباراتها القرآنية الجليلة، يتفاعلون معها تفاعلاً عجيباً؛ إذ يتحولون بسرعة، وبعمق كبير من بشر عاديين، مرتبطين بعلائق التراب إلى بشر ربانيين ينافسون الملائكة في السماء؛ وما هم إلا بشر يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق؛ ولذلك حقق الله بهم المعجزات في الحضارة والتاريخ.
إن بعض التقسيمات الكلامية للعقيدة الإسلامية التي أملتها ضرورة حِجاجية حيناً، وضرورة تعليمية حيناً آخر، ليست ذات جدوى في عالم التربية الإيمانية؛ لخلوها من روحها الرباني، وسرها التعبدي الذي لا تجده إلا في كلمات القرآن وأحرفه: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: «ألم» حرف؛ ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (1) . ثم إن الإخبار عن حقيقة الذات الإلهية لا يكون على كمال صدقه، جلالاً وجمالاً إلا إذا كان بما أخبر الله به عن ذاته ـ سبحانه ـ وصفاته. وما كان للمخلوق المحدود أن يحيط وصفاً وعلماً بالخالق غير المحدود؛ ومن هنا كان التوقيف في مجال التعبير العقدي في الإسلام.
كثير من الناس يتكلم في العقيدة اليوم، ولكن قليلاً منهم من يتفاعل معها؛ لأن العلم الجدلي ما كان له أن يؤتي ثماراً قلبية، وهو قد أُنتج أساساً لإشباع رغبات العقل المماري، لا لإشباع حاجات القلب الساري. وقد كان الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يخاطب بالعقيدة الإيمانية العقول خطاباً ينفذ من خلالها إلى القلوب؛ حيث تستقر بذرة تنبت جنات وأشجاراً.
إن السر الذي تتضمنه عقيدة «لا إله إلا الله» والذي به غيرت مجرى التاريخ مرات ومرات، والذي به صنعت الشخصيات التاريخية العظيمة في الإسلام؛ إنما يكمن في (جمالها)!.. الجمال: ذلك الشيء الذي لا يدرك إلا بحاسة القلب. إنه إحساسُ: (كم هو جميل أن يكون المرء مسلماً!).. ودون هذا الإدراك اللطيف للدين إدراكات أخرى من أشكال التدين، لا تغني من الحق شيئاً. لقد ضاع صفاء الدين وجماله السماوي في غبار التأويلات، ورسوم التقسيمات، وقد ذم قومٌ (الكلامَ)، لكنهم لم يدركوا أنهم في خضم الصراع المذهبي، ردوا وقسموا؛ (فتكلموا)؛ وسقط عنهم بذلك بهاء الدين وجماله، وهم لا يشعرون، أو ـ على الأقل ـ لم يترك ذلك في الأتباع لمسات الجمال، وأذواق الصفاء في السلوك الذي يصنفون به على أنهم (مسلمون)؛ فكانت التصورات في وادٍ، والتصرفات في وادٍ آخر.
إن القرآن الكريم والسنَّة النبوية يقولان لنا حقيقة جليلة عظيمة لم يستطع أن يوصلها إلينا علم الكلام: هي أن عقيدتنا جميلة.
ولكم هو مؤسف حقاً أن يضيع هذا المعنى من تدين كثير من المسلمين اليوم، فلا يرون في الدين إلا خشونة وحزونة {وَإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} [المنافقون: 4] ؛ هذا التخشب في الأقوال والفعال، الذي سيطر على تدين كثير من الناس اليوم إنما كان لأسباب سياسية واجتماعية مختلفة، ليس هذا مجال بيانها، ولا يجوز أبداً أن تكون مسوِّغاً للانحراف عن بهاء الدين وجماله، وإنما أنزله الله ليكون جميلاً، تتذوقه القلوب، وتتعلق به الأنفس؛ فلا تستطيع منه فكاكاً؛ فتُسْلِمُ ـ بجذبه الخفي وإغرائه البهي ـ لله رب العالمين.
«لا إله إلا الله» ـ إذ يقولها العبد مستشعراً دلالتها اللطيفة ـ كلمة (قلبية) مدارها على وصف حال، والاعتراف بذوق صفات الكمال والجلال. إنها تعبير عن الخضوع الوجداني التام لله. نعم! قلت: (الوجداني)؛ لأنها ـ ببساطة ـ كذلك وردت في سياقها القرآني الأصيل.
ولو تأملت هذه العبارة العظيمة في اللغة لوجدتها تقوم على لفظتين أساسيتين: هما مدار الإسلام كله: (الله) و (الإله).
فأما كلمة: (الله) فهو لفظ الجلال، الاسم العَلَم على الذات الإلهية، الاسم الجامع لكل الأسماء الحسنى والصفات الإلهية العلى. ولفظ (الله) فرد في اللغة، فلا يجمع ولا يتعدد.
وأما كلمة: (الإله) فهو لفظُ وصفٍ، يدل على معنى شعوري قلبي؛ ولذلك فهو يتعدد؛ إذ يُجمع على (آلهة). وأما باقي العبارات في (لا إله إلا الله) فهي (لا) النافية، و (إلا) الحاصرة، تقومان بدور البناء والتركيب اللغوي؛ للنفي والإثبات الذي يربط نوع العلاقة في قلب المؤمن بين الصفة: (إله) والاسم: (الله). وحقيقة تلك العلاقة هي ما يهمنا ههنا. إنها علاقة تملأ الوجدان بما يفيض به قلب العبد المعبر بها حقاً وصدقاً من الاعتقاد والشعور تجاه مولاه جل علاه.
ذلك أن كلمة (إله) في أصل الاستعمال اللغوي كلمة قلبية، وجدانية، كما ذكرنا. أعني أنها لفظ من الألفاظ الدالة على أحوال القلب، كالحب، والبغض، والفرح،   والحزن والأسى، والشوق، والرغبة، والرهبة... إلخ. أصلها قول العرب: «ألِهَ الفَصيلُ يَألَهُ ألَهاً» إذا ناح شوقاً إلى أمه. والفصيل: ابن الناقة إذا فُطم وفُصل عن الرضاع، يحبس في الخيمة، وتترك أمه في المرعى، حتى إذا طال به الحال ذكر أمه؛ وأخذه الشوق والحنين إليها ـ وهو آنئذ حديث عهد بالرضاع ـ فناح، وأرغى رغاء أشبه ما يكون بالبكاء. فيقولون: «ألِهَ الفصيلُ» فأمه إذن ههنا هي (إلهه) بالمعنى اللغوي. ومنه قول الشاعر: ألِهْتُ إليها والرَّكائِبُ وُقّفٌ.
جاء في اللسان: (اسم «الله»: تفرد ـ سبحانه ـ بهذا الاسم، لا يشركه فيه غيره، فإذا قيل: (الإله) انطلق على الله ـ سبحانه ـ وعلى ما يُعبد من الأصنام. وإذا قلت: (الله) لم ينطلق إلا عليه سبحانه وتعالى، وقيل في اسم الباري ـ سبحانه ـ: إنه مأخوذ من ألِهَ يَأْلَهُ: إذا تحيَّرَ؛ لأن العقول تَأْلَهُ في عظمته. وأَلِهَ يَألَهُ ألَهاً: أي تحيَّرَ، وأصله وَلِهَ يَوْله وَلَهاً، وقد أَلِهْتُ على فلان: أي اشتد جزعي عليه؛ مثل وَلِهْتُ، وقيل: هو مأخوذ من: ألِهَ يَألَهُ إلى كذا، أي: لجأ إليه؛ لأنه ـ سبحانه ـ الْمَفْزَعُ الذي يُلْجَأُ إليه في كل أمر) (1) ؛ إذ (الإله) في هذا السياق اللغوي هو: ما يَشُوقُ القلب، ويأخذ بمجامع الوجدان إلى درجة الانقياد له والخضوع. قال ـ عز وجل ـ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] .
والراجح فعلاً أن (ألِهَ) هو من (وَلِه) ومنه اشتُق الاسم العلم: (الله)؛ لأن مدار كلا المادتين على معاني القلب؛ فأبدلت من الواو همزة. قال الراغب الأصفهاني: (ألَه فلانٌ يأله: عَبَدَ، وقيل: أصله وِلاه؛ فأبدل من الواو همزة، وتسميته بذلك؛ لكون كل مخلوق والِهاً نحوه، إما بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات، وإما بالتسخير والإرادة كبعض الناس، ومن هذا الوجه قال بعض الحكماء: الله محبوب الأشياء كلها) (2) .
و(الوَلَهُ): هو الجنون الحاصل بسبب الحب الشديد، أو الحزن الشديد. يقال: امرأة وَلُوهٌ: إذا أحبت حتى جُنت، أو إذا ثكلت؛ فحزنت حتى جُنت. قال ابن منظور: (الوله: الحزن. وقيل هو ذهاب العقل والتحيُّر من شدة الوجد، أو الحزن أو الخوف. والوله: ذهاب العقل لفقدان الحبيب [و] ناقة مِيلاهٌ: هي التي فقدت ولدها فهي تَلِهُ إليه. يقال: وَلَهَتْ إليه تَلِهُ أي تحن إليه. وناقة وَالِهٌ: إذا اشتد وجدها على ولدها) (3) .
وهكذا فأنت ترى أن مدار المادتين (أله) و (وله) هو على معان قلبية، ترجع في مجملها إلى التعلق الوجداني والامتلاء بالحب، فيكون قول المؤمن: «لا إله إلا الله» تعبيراً عما يجده في قلبه من تعلق بربه تعالى، أي لا محبوب إلا الله، ولا مرهوب إلا الله، ولا يملأ عليه عمارة قلبه إلا قصد الله. إنه أشبه ما يكون بذلك الفصيل الصغير الذي ناح شوقاً إلى أمه، إذا أحس بألم الفراق، ووحشة البعد. إن المسلم إذ (يشهد) أن لا إله إلا الله، يقر شاهداً على قلبه أنه لا يتعلق إلا بالله رغبة ورهبة وشوقاً ومحبة. وتلك لعمري (شهادة) عظيمة وخطيرة؛ لأنها إقرار واعتراف بشعور لا يدري أحد مصداق ما فيه من الصدق إلا الله، ثم الشاهد نفسه. ومعاني القلب لا تحد بعبارات، ولا تحصرها إشارات. ومن هنا كانت شهادة «أن لا إله إلا الله» من اللطافة بمكان؛ بحيث لا تدرك على تمام حقيقتها إلا ذوقاً.
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: (إن محبة العبد لربه فوق كل محبة تقدر، ولا نسبة لسائر المحاب إليها، وهي حقيقة: لا إله إلا الله!) (4) إلى أن يقول في نص نفيس تُشد إليه الرحال: (فلو بطلت مسألة المحبة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان، ولتعطلت منازل السير إلى الله؛ فإنها روح كل مقام ومنزلة وعمل. فإذا خلا منها فهو ميت لا روح فيه. ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها، بل هي حقيقة الإخلاص، بل هي نفس الإسلام: فإنه الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله؛ فمن لا محبة له لا إسلام له البتة. بل هي حقيقة شهادة: أن لا إله إلا الله؛ فإن (الإله): هو الذي يألهه العباد حباً وذلاً، وخوفاً ورجاء، وتعظيماً وطاعة له، بمعنى (مألوه): وهو الذي تألهه القلوب. أي تحبه وتذل له؛ فالمحبة: حقيقة العبودية) (5) .
ذلك أن معنى (الإسلام) هو الخضوع لله رب العالمين، والاستسلام لأمره تعالى. إنه الاعتراف الوجداني، أي التعبير العملي عن الشعور الحقيقي الذي يلامس القلب عندما يدرك العبد و (يجد) أنه (عبد) لسيد هذا العالم العظيم. وحقيقة كون المسلم عبداً هي الحقيقة التي تغيب عن أكثر المسلمين؛ فيحدث بسبب ذلك الانحراف بشتى ألوانه وأشكاله.
إن (العبد) مسلوب الإرادة، ليس بالمعنى الكلامي ولكن بالمعنى الوجداني، أعني: أن تجد الشعور بأنك أيها المسلم مِلْكٌ لله الواحد القهار؛ تدور في فلك العبودية والخدمة كما تدور الكواكب في الأفلاك. {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الزمر: 63] . وتلك هي مدارات لفظ (عبد) في اللغة: إنها لا تخرج عن معاني الذلة والخضوع والخنوع والانقياد، كما تنقاد الأنعام المذللة لمالكيها رغبةً ورهبةً انقياداً لا تشنج فيه ولا تَفَلُّت.
والعبد لا يكون إلا في باب الخدمة بين يدي مولاه، واقفاً على العتبة ينتظر الأمر والنهي بشوق المحب، ليبادر إلى التنفيذ دون سؤال: علامَ ولِمَهْ؟ {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] . إنه الرب المحبوب الأعظم، المرغوب المرهوب، رب الكون والخلق أجمعين. يمكنك أن تُعَرِّفَ عقيدة الإسلام في نهاية المطاف، فتقول: إنها ميثاق المحبة بين الله وعباده.
وحينما نقول (المحبة) فهي بمفهومها القرآني لا ما ذهبت إليه طوائف من الغلاة من هذا الاتجاه أو ذاك ممن قالوا بها، فأبطلوا كل منازل الإيمان من خوف ورجاء؛ فانتهى بهم الأمر إلى دعاوى عريضة يتشدقون بها ما أنزل الله بها من سلطان. كلا! بل لا تقوم المحبة بقلب العبد الصادق إلا على جناحي الخوف والرجاء، وما تفرع عن ذلك من معاني الرَّغَبِ والرَّهَبِ، والقرآن العظيم والسنة النبوية واضحان في هذا غاية الوضوح. ولا يزيغ عنهما إلا جاهل أو صاحب هوى، والمحب الحقيقي الصادق يخاف من الحرمان، ويخشى من العقوبة بقدر ما يرجو ويشتاق؛ فإذا جرد المحبة عن الخوف والرجاء كان من الكاذبين، كيف لا، ورب العالمين يقول عن صفوة من أنبيائه ورسله: {إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] ؟ وهذا محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيد الأولين والآخرين يعلنها في الأمة: «أمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له! [وفيه قال]: فمن رغب عن سنتي فليس مني» (1) ، ألا وإن أي انحراف عن هذه السبيل لا يكون إلا جهلاً بالدين أو زيغاً من الضلال المبين.
فعلى هذا الوِزَانِ إذن؛ نقول: إن عقيدة الإسلام قائمة على المحبة، بل إنها ميثاق المحبة؛ وبذلك المعنى كانت تفيض بأنوار الجمال ومباهج الجلال؛ ولذلك يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله ـ تعالى ـ قد حرَّم على النار من قال: «لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (2) ، أكلمة واحدة تتلفظ بها فتدخل الجنة؟ نعم! ولكنْ.. إنها ليست بكلمة ولا كلمات؛ إنها توجه قلبي وميل وجداني، إنها مسألة (حب)، وإن من أحب اللهَ أحبه اللهُ، ومن أحبه الله وفقه إلى عبادته وطاعته. إنها حقيقة جميلة وعظيمة، وإن عدم إدراكها ذوقاً ووجداناً قد كان سبباً في تضييع معاني الدين وانحراف كثير من الناس عن منهاجه المستقيم.
ولقد تهتُ شخصياً عن هذا المعنى زمنا!
ولي في هذا الشأن قصة أذكرها لعل فيها ما ينبئ عما تعانيه حركة التدين في المجتمع اليوم؛ عسى أن نتمكن من تشخيص مكمن الداء.
وذلك أني في فهمي للدين عموماً، وللعقيدة منه خصوصاً، مررت بثلاث مراحل: المرحلة الأولى هي التي ورثتها عن بيئتي الإسلامية التقليدية؛ حيث كان الدين بالنسبة لي سلوكاً خاصاً بالشيوخ، وكأنما هو على طائفة الشباب نفل وتطوع، ثم إن معنى «لا إله إلا الله» كان أقرب عندي إلى الشعار منه إلى (الشهادة)! فلم أكن أفهم منها أكثر من مجرد كونها عنوان الدخول إلى الإسلام، واكتساب صفة (مسلم)، كما هي عند سائر الناس. لكن هذا المعنى ولله الحمد لم يدم في تصوري طويلاً؛ فقد انتبهت في مرحلة الشباب الأولى إلى شيء اسمه (الحركة الإسلامية)؛ وذلك بسبب ما كان يصلني عنها من أصداء وصراعات، خاصة في الصف الطلابي بالجامعة! وأنا آنئذ ما أزال تلميذاً بالصف الثانوي.
فكانت تلك إذن هي المرحلة الثانية في حياتي الدينية، وبحلولها زالت الصورة الأولى التقليدية من ذهني، وأبدلتها بما صرت أتلقاه من أدبيات إصلاحية، ومقولات دعوية جديدة، مثل: (الإسلام دين ودولة، ومصحف وسيف.. إلخ). ثم بدأ الوعي يتطور في الاتجاه نفسه، إلى تقرير أن (لا إله إلا الله منهج حياة!) وأن (الحاكمية لله) وهكذا بدأ الوعي الديني يتسع في وجداني شيئاً فشيئاً، حتى انخرطتُ في حركة الوعي الإسلامي عاملاً بهذه المفاهيم مجاهداً في سبيلها.
لكني أصدقكم القول: لقد مر عليَّ دهر وأنا أعمل على هذه التصورات، دون أن أجد للدين لذة في وجداني؛ هذه هي الحقيقة. إنني لا أتهم تلك التصورات بالقصور، كلا؛ فما زلت أومن بأن الإسلام مصحف وسيف، ودين ودولة! وأن (لا إله إلا الله) منهج حياة بالفعل. وما أحسب أن ذلك يخالف فيه أحد من المسلمين الصادقين. ولكن.. كانت ظروف التلقي سيئة للغاية. لقد انفتح وعيي الجديد هذا على مرحلة (رد الفعل غير المتوازن) في تاريخ الأمة المعاصر، فكان أن تلقيت كل التصورات الجديدة في سياق مواجهة الغرب، ومقاتلة العلمانية، ومدافعة الماركسية؛ ومجاهدة الطغيان السياسي، والظلم الاجتماعي؛ فاكتسبت من صفات المحامي كثيراً، بيد أني لم أكتسب من سلوك المؤمن إلا قليلاً، فعشت مع الناس أكثر مما عشت مع الله؛ لأن هذه الظروف جعلتني أفهم عقيدة «لا إله إلا الله» في سياق واحد ووحيد: هو أن (الحاكمية) إنما هي لله. وبدا لي زمناً أن ما سوى تصحيح قضية الحكم والتشريع في الدولة جزئيات من الدين، لا تستحق أي اهتمام! وكانت لنا أنشطة في هذه الاتجاهات، فبدأت ألاحظُ أن معي على الجبهة الواحدة، من يخطب الليل كله، ولا يصلي لله فريضة واحدة في وقتها! فإن فعل فبلا خشوع ولا طمأنينة، ينقرها نقر الغراب. لقد تعلمنا شهوة الكلام. نعم! اتبعنا الشهوات وأضعنا الصلاة إلا قليلاً. وبدأت أرى الآفات الخطيرة تعصف بالصف الإسلامي: العُجْب، وحب الرياسة، والتصدر أمام وسائل الإعلام. ورأيت بأم عيني أن هناك فتنة أخرى، لم أعرفها من قبل: هي فتنة (الكاميرا)، أو فتنة (الميكرفون) كما سماها بعض الظرفاء! ورأيت رقة في الدين تجتاح الصفوف المتدينة كالوباء الفتاك، وسقوطاً هنا وهناك، يتتابع بين الإخوان والأخوات على السواء!
المنادي ينادي للصلاة: حي على الصلاة! حي على الفلاح! وخطاب الواجهة الفاتنة المفتونة مستمر كأنه لا يسمع شيئاً. وضربت الصفوفَ الدينية آفاتُ المجتمع المريض، من رعونة وتحلل خلقي، وانسياق وراء كثير من مغريات الحياة الدنيا وفتنتها. وبدأت أسأل نفسي متهماً إياها: أي دين هذا؟ وأي صلاح هذا؟ وبدل أن يتنافس شباب الصحوة الإسلامية حول منازل العلم، ومقامات التقوى والورع، بدؤوا يتنافسون حول حدود الشبهات، ويتبارون أيهم أقدر على الرعي حول الحمى دون أن يقع فيه! زعموا..! وانطلق السباق نحو الهاوية. أين المشكلة إذن؟
هذه هي البرامج التربوية تترى تأليفاً وتنظيراً، وهذه هي المطبوعات التصورية تتواتر، ولكن بلا جدوى، وبلا فائدة؛ فإنها جميعها تبقى على رفوف مقرات الحركات ومكاتبها موقَّرة إلى إشعار آخر؛ فأين الخلل؟ ولطالما وُضِع هذا السؤال، ولكن أين من يتابعه؟
وبقي الأمر بالنسبة لي غامضاً، حتى لقيت بعض أساتذتي الأجلاء، ممن تتلمذت عليهم، وأخذت عنهم علم الدعوة وعلم البحث العلمي، فكانت لي معه جلسة مذاكرة حول بعض مفاهيم القرآن الكريم، وتحدثنا عن بعض النماذج من بينها مفهوم (الإله) في القرآن الكريم، فنبهني إلى الأصل اللغوي لهذه العبارة، من أنه راجع إلى معنى قلبي وجداني، وذكر لي شيئاً من الدلالة اللغوية على المحبة، مما بينته قبل قليل، فكانت بالنسبة لي مفاجأة حقيقية، لا على مستوى الفهم فقط؛ ولكن على مستوى الوجدان والشعور.
نعم! أذكر أني قرأت مثل هذا قبل ذلك بكثير، ولكن اندماجي الكلي في تصوراتي الأخرى، وانغلاقي على (توحيد الحاكمية) إن صح التعبير، أعماني عن مشاهدة (توحيد المحبة!) الذي هو الأصل، والمفتاح الحقيقي لتوحيد الإلهية، والذي منه تفرعت فروع شتى منها توحيد الحاكمية نفسه. لقد جعلت الجزء محل الكل، وجعلت الفرع محل الأصل؛ وعشت في فهمي متناقضاً. فسِرْتُ في تديني مختلاً كسائر المختلين؛ حتى مَنَّ الله باللحظة التي انتقلت خلالها إلى مرحلتي الجديدة: حيث بدأت المراجعة في حياتي كلية، واكتشفت حقيقة أن هناك شيئاً اسمه (حلاوة الإيمان)، ذوقاً لا تصورا! وحقيقة لا تخيلا! ثم بدأت أعود إلى القرآن.. فوجدت أني كنت بعيداً جداً عن بشاشته وجماله، وبدأت أعود إلى السنة؛ فوجدت أني كنت أجهل الناس بأخلاق محمد عليه الصلاة والسلام. وبدأت أراجع ما قرأته عن العقيدة، فوجدت صفحات مشرقة مما كتب السلف الصالح، قد مررت عليها مرور الأعمى ـ لا مرور الكرام ـ بسبب ما غطى بصري من فهوم سابقة حتى كأني لم أقرأ قط.
قلت: لم تكن مفاجأتي علمية بقدر ما كانت وجدانية! لقد كنت أقرأ عبارات «المحبة، والشوق، والخوف، والرجاء» ولكن دون أن أجد لها شيئاً من نبض الحياة بقلبي.
فمثلاً هذا كتاب (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ـ وهو خلاصة للعقيدة السلفية ـ قد خضت به معارك ضد أهلي وعشيرتي زمناً؛ وأنا أقرب إلى المراهقة يومئذ مني إلى الشباب؛ ولقد ظللت أحارب به البدع والضلالات والمنكرات، في الاعتقاد والعبادات، اقتداء بشيخ شيوخنا العلاَّمة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي رحمه الله؛ بَيْدَ أني كنت ألحظ أن كثيراً من هؤلاء (المبتدعة) هم أفضل مني حفظاً للصلاة وأوقاتها! إني لا أتهم الكتاب المذكور، ولكني أتهم نفسي ومنهجي في القراءة والاستعمال. لقد كانت العقيدة السلفية عندي عصا من خشب أصم أضرب بها غيري.. ولم أدرك أنما هي تربية ورحمة للعالمين. وإني لأعجب كيف لم أنظر إلى هذا المعنى من قبلُ في الكتاب المذكور؟
عجباً!.. أين كنت أنا إذن من مثل هذا الكلام؟ (السكون إلى حب الله.. الذي تألهه القلوب) أهي عقيدة قلبية وجدانية إذن؟ وهو إجماع من العلماء؟
أي عمى هذا الذي ركضت وراءه في نقع الخصومات والجدالات التي لا تغني ولا تسمن من جوع؟ وهذا قلبي ظل فارغاً من عبادة الحب وأذواق التعبد. أليس ذلك هو الضلال المبين؟ لقد أسأت زمناً طويلاً في فهم عقيدة السلف الصالح.
لقد رسخ في ذهني ـ بعد المشاهدة والمعاينة للآثار السلبية التي ترتبت عن التكوين العقدي القائم على نفسية ردود الأفعال المتشنجة، وعقلية التفتيش المذهبي ـ أننا في حاجة ماسة ومستعجلة؛ لإعادة قراءة عقيدة السلف الصالح من مصادرها الأولى، وإلى إعادة قراءة أعلامها الكبار الذين تميزوا في التاريخ الإسلامي بالريادة والقيادة، وأسهموا في بناء صرح الأمة وتجديد حياتها، كالأئمة الأربعة أبي حنيفة، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل، ومن جاء بعدهم من المتميزين في هذا السياق، مثل حافظ المغرب أبي يوسف عمر بن عبد البر، ومجدد زمانه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم... إلخ.
هؤلاء وأضرابهم جميعاً، وقع خطأ منهجي كبير في قراءتهم. لقد كان الفكر السلفي المعاصر ـ في بعض تجلياته ـ إذ يقرأ تراثهم إنما يقرؤه ـ في كثير من الأحيان ـ بمنهج تجزيئي إسقاطي.
فأما كونه تجزيئياً؛ فلأنه كان يقرؤه بعين واحدة، فلا يرى من حقيقته إلا ما تتيحه له تلك الرؤية الجزئية المحدودة؛ فلا يتصور حقيقته في شموليته الكلية. فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية مثلاً، لا تصوره كثير من المصنفات المعاصرة إلا شخصاً مقاتلا محارباً متخصصاً في تفصيل في مذاهب أهل النار؛ دون مذاهب أهل الجنة؛ فكل من أراد أن يَصِمَ شخصاً بصك الجحيم، فما عليه إلا أن يُخرج عليه سيف المقولة المشهورة. (قال شيخ الإسلام ابن تيمية) وكأن ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ما خلقه الله إلا للاستشهاد به على أهل الضلال وحسب؛ وكأنما تحولت نصوصه وفتاواه إلى مجرد صكوك اتهام، تقرأ على الضحية عند تنفيذ حكم الإعدام.
أين ابن تيمية الداعية إلى الله؟ أين ابن تيمية المربي؟ وأين ابن تيمية السالك إلى مولاه عبر منازل الخوف والرجاء؟ والشوق والمحبة؟ وأين ابن تيمية صاحب الأذواق الإيمانية والأحوال السنية؟.. ولقد حفلت كتبه وفتاواه بمعاني (الجمالية)، ومقاصد (الربانية) في الدعوة والتربية والتعليم؛ مما يصعب ـ لغزارته ـ حصره واسقصاؤه! كما أن تلميذه الإمام الرباني ابن القيم ـ رحمه الله ـ قد حكى عنه من ذلك الشيء الكثير! فأين ضاع ذلك كله؟
وأما كونه إسقاطيا؛ فلأنه تم استعمال ابن تيمية للتعبير عن مشكلات العصر النفسية والسياسية بصورة حرفية! ففُسِّرت نصوصُه بما تقتضيه حالة رد الفعل النفسي والاجتماعي ـ بصورة غير متوازنة ـ عن ظروف الظلم السياسي، ومظاهر الخلاف العقدي والمذهبي، بين طوائف وجماعات، ودول وتحالفات! وتم إسقاط زماننا على زمانه رحمه الله، وإلباس أحوالنا لأحواله دون مراعاة الفروق بين الثوابت والمتغيرات، سواء منها ما تعلق بالنصوص أو بتحقيق المناطات؛ وفي ذلك ما فيه من الشطط العلمي والانحراف المنهجي.
ولذلك فقد تمت عملية (إخراج) سيئة لشخص ابن تيمية ـ لدى بعضهم ـ على أنه شخص لا ذوق له ولا وجدان؛ وإنما هو السب والشتم واللعان؛ وما أبعد شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ عن ذلك وأبرأه.
ولو تتبع متتبع نصوص فتاواه ومؤلفاته جميعا؛ لجمع من مشاهد الجمالية وأذواقها عنده في الدين والتدين الشيء الكثير، ولولا أن نخرج عن غرض هذا المقال لعرضنا من نصوصه مواجيد وأذواقاً وأحوالاً رِقَاقاً، ولكن لك أن تقرأ من ذلك هذه الإشارات؛ فقد تحدث ـ رحمه الله ـ عن أحوال المؤمن لدى سماع القرآن الكريم، وذلك في سياق ذكر (السماع) بمعناه الشرعي، وأورد فيه آيات وأحاديث، ثم قال: (وهذا كان سماع سلف الأمة، وأكابر مشائخها، وأئمتها، كالصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المشائخ كإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي، وأمثال هؤلاء.. وكان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى! ذَكِّرنا ربَّنا! فيقرأ، وهم يسمعون ويبكون. ولهذا السماع من المواجيد العظيمة، والأذواق الكريمة، ومزيد المعارف، والأحوال الجسيمة؛ ما لا يتسع له خطاب، ولا يحويه كتاب. كما أن في تدبر القرآن وتفهمه؛ من مزيد العلم والإيمان، ما لا يحيط به بيان.
قال الشارح ـ رحمه الله ـ في سياق ذكر كلام العلماء في معنى (لا إله إلا الله): (وقال شيخ الإسلام [ابن تيمية]: الإله هو المعبود المطاع؛ فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يُعبد. وكونه يستحق أن يعبد هو: بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها، وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده. ولهذا كانت «لا إله إلا الله» أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه؛ فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد؛ فالفساد لازم له في علومه وأعماله.
وقال ابن القيم: (الإله) هو الذي تألهه القلوب محبة، وإجلالاً، وإنابة، وإكراماً، وتعظيماً، وذلاً، وخضوعاً، وخوفاً، ورجاء، وتوكلاً.
وقال ابن رجب: (الإله) هو الذي يطاع فلا يعصى؛ هيبة له وإجلالاً، ومحبة، وخوفاً، ورجاء، وتوكلاً عليه.
وقال البقاعي: «لا إله إلا الله»: أي انتفاءً عظيماً أن يكون معبودٌ بحق غير الملك الأعظم؛ فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة.
وقال الطيبي: (الإله) فِعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، من ألِه إلهةً، أي: عبَدَ عبادةً.
قال الشارح: وهذا كثير في كلام العلماء وإجماع منهم) (1) .
ومما ينبغي التفطن له أن الله ـ سبحانه ـ قال في كتابه: {قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31] ؛ فبيَّن ـ سبحانه ـ أن محبته توجب اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأن اتباع الرسول يوجب محبة الله للعبد، وهذه محبةٌ امتحن الله بها أهل دعوى محبة الله؛ فإن هذا الباب تكثر فيه الدعاوى والاشتباه؛ ولهذا يُرْوَى عن ذي النون المصري أنهم تكلموا في مسألة المحبة عنده؛ فقال: «اسكتوا عن هذه المسألة؛ لئلا تسمعها النفوس فتدعيها».
وكان المشائخ المصنفون في السنَّة يذكرون في عقائدهم مجانبة من يكثر دعوى المحبة، والخوض فيها من غير خشية، لِمَا في ذلك من الفساد الذي وقع فيه طوائف من المتصوفة.
وما وقع في هؤلاء من فساد الاعتقاد والأعمال أوجب إنكار الطوائف لأصل طريقة المتصوفة بالكلية، حتى صار المنحرفون صنفين: صنف يقر بحقها وباطلها، وصنف ينكر حقَّها وباطلَها! كما عليه طوائف من أهل الكلام، والفقه.
والصواب: إنما هو الإقرار بما فيها وفي غيرها من موافقة الكتاب والسنة، والإنكار لِمَا فيها وفي غيرها من مخالفة الكتاب والسنة (2) .
فأي جمال هذا وأي إحسان؛ وأي فقه هذا وأي ميزان! ألا رحم الله شيخ الإسلام!

( * ) رئيس قسم الدراسات الإسلامية، بجامعة السلطان المولى إسماعيل، المغرب.
(1) رواه البخاري في تاريخه، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم. وصححه الألباني (ص.ج. ص): 6469.
(1) لسان العرب: مادة (أله). (2) المفردات في غريب القرآن: مادة (أله). (3) لسان العرب: مادة (وله).
(4) مدارج السالكين، لابن القيم: 3/ 18. (5) مدارج السالكين: 3/ 26.
(1) متفق عليه. (2) متفق عليه.
(1) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن آل الشيخ: 53 ـ 54. (2) مجموع فتاوى ابن تيمية: 10/80 ـ 82.
الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله.